الرأي | الذكاء الاصطناعي وصندوق باندورا

طلب مني مجموعة من القراء التحدث عن الذكاء الاصطناعي، الشغل الشاغل اليوم للإنسان المعاصر، وهو موضوع ملأ الدنيا وشغل الناس ووجدوا أنفسهم مطوقين بخوارزمياته وعلومه، وأصبح واقعا مفروضا، بل منافسا شرسا للذكاء الإنساني نفسه الذي اخترعه، لدرجة أن العالم اليوم يريد مساءلة هذا الذكاء نفسه عن مصير الإنسانية مستقبلا ليعيد ترتيب أولوياته في كافة المجالات.

فهناك مهن تعتبر مصدر خبز المئات الملايين من البشر سوف تختفي، وهناك أنظمة اقتصادية سوف تتهاوى قريبا بفعل التقدم المثير لهذا الذكاء.. وما دام الاقتصاد هو المتحكم في السياسات، فلا بد أن تتأثر الأنظمة السياسية بهذه التطورات التي أصبحت قاب قوسين أو أدنى من تقلبات لا يعلم إلا الله سبحانه وتعالى عواقبها.

وهي وقائع أصبح من اللازم أن نحاول تحليلها تبسيطها.. وإن كانت عصية على التحليل، بفعل تداخل عدة معطيات لا حصر لها من حيث الزمان والمكان.. وكأن العقل الإنساني حدث له مثل ما حدث لصندوق باندورا (Pandora s Box)، وهي واحدة من أكثر الاستعارات عمقا وبلاغة في الفلسفة التكنولوجية المعاصرة.

هذه المقارنة لا تأتي من فراغ، بل إنها تنبع من تشابه جوهري في طبيعة الفضول البشري والعواقب غير المتوقعة التي تترتب عن فتح أبواب مجهولة معينة.

وتبدأ قصة باندورا، عندما قام التيتان بروميثيوس بسرقة نار المعرفة والأسرار الإلهية من جبل أوليمبوس ومنحها للبشر، لمساعدتهم في تطوير حضارتهم، فثار آنذاك غضب زيوس (كبير الآلهة)، وقرر أن يعاقب بروميثيوس والبشرية جمعاء بطريقة ذكية وغير مباشرة، فأمر زيوس إله الحدادة والنحت، هيفايستوس، بصنع امرأة من طين على قدر خارق من الجمال منحتها الآلهة صفات عديدة: الجمال، الفصاحة، الموهبة وثيابا من ذهب، ولذلك سُميت باندورا، التي تعني بالإغريقية التي وُهِبت كل المزايا .

لكن إله الرسائل هيرميس، غرس فيها أيضا صفة مصيرية: الفضول الشديد .

ثم أرسل زيوس باندورا إلى الأرض كهدية لإبيميثيوس، وهو شقيق بروميثيوس.

ورغم أن بروميثيوس كان قد حذر شقيقه سابقا من قبول أي هدية من زيوس، إلا أن إبيميثيوس وقع في حب باندورا وانبهر بجمالها وتزوجها فورا.

ومع باندورا، أرسل زيوس هدية زفاف: جرة كبيرة مغلقة ومحكمة (تحولت في الترجمات اللاحقة عبر التاريخ إلى صندوق )، وأمرها صراحة ألا تفتحها أبدا تحت أي ظرف.

عاشت باندورا الجميلة والفاتنة في سعادة، لكن أمر الصندوق الغامض ظل يؤرقها، شأنها شأن كل جميلة من النساء، ومع مرور الوقت، اشتعل الفضول في قلبها لمعرفة ما بداخل هذه الهدية الإلهية.. وفي لحظة ضعف، لم تستطع المقاومة، فرفعت غطاء الصندوق لتلقي نظرة سريعة، وبمجرد رفع الغطاء، انطلقت من الصندوق سحابة سوداء مرعبة طارت في كل أنحاء الأرض، وكانت هذه السحابة تحتوي على كل الآفات والشرور التي لم يكن البشر يعرفونها من قبل: الأمراض والشيخوخة؛ المجاعات والفقر؛ الحروب والغيرة والجشع والموت.. فأصيبت باندورا بالذعر والرعب، وحاولت جاهدة إغلاق الغطاء مجددا.

وبعد أن نجحت في إغلاقه بالكاد، التفتت لتجد أن كل الشرور قد هربت وملأت العالم، ولم يتبقّ في قاع الصندوق سوى شيء واحد صغير ومضيء لم يلحق بالخروج، وهو الأمل.

وهكذا تُفسر القصة بأنه رغم امتلاء العالم بالصعاب والشرور والمعاناة نتيجة الفضول والأخطاء البشرية، إلا أن الأمل يبقى دائما ملازما للإنسان، محبوسا في قلبه ليمنحه القوة على مواجهة مصاعب الحياة والاستمرار.

فكيف يمكن مقارنة الذكاء الاصطناعي في عصرنا بأسطورة صندوق باندورا ؟


هذا المحتوى مقدم من صحيفة الأسبوع الصحفي

إقرأ على الموقع الرسمي


المزيد من صحيفة الأسبوع الصحفي

منذ 7 ساعات
منذ ساعتين
منذ 10 ساعات
منذ 6 ساعات
منذ 18 دقيقة
منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 4 ساعات
هسبريس منذ 3 ساعات
جريدة أكادير24 منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 6 ساعات
هسبريس منذ 7 ساعات
أشطاري 24 منذ 9 ساعات
هسبريس منذ 9 ساعات
جريدة كفى منذ 20 ساعة